يزيد بن محمد الأزدي

685

تاريخ الموصل

--> - وأمر كلا منهم بلزوم موضعه ، وكان يركب والناس في مواقفهم ، فكان يصلى الصبح بغلس ثم يضرب الطبول ويسير زحفا وكانت علامته في المسير والوقوف ضرب الطبول ؛ لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والأودية على مصافهم فإذا سار ضربها وإذا وقف أمسك عن ضربها فيقف الناس جميعا ويسيرون جميعا ، وكان يسير قليلا قليلا كلما جاءه كوهبانى بخبر سار أو وقف وكان إذا أراد أن يتقدم إلى المكان الذي كانت به الوقعة عام أول خلف بخار اخذاه على رأس العقبة في ألف فارس وستمائة راجل يحفظون الطريق لئلا يأخذه الخرمية عليهم وكان بابك إذا أحس بمجيئهم وجه جمعا من أصحابه فيكمنون في واد تحت تلك العقبة تحت بخاراخذاه واجتهد الأفشين أن يعرف مكان كمين بابك فلم يعلم بهم ، وكان يأمر أبا سعيد أن يعبر الوادي في كردوس ، ويأمر جعفرا الخياط أن يعبر في كردوس ، ويأمر أحمد بن الخليل بن هشام أن يعبر في كردوس آخر فيصير في ذلك الجانب ثلاثة كراديس في طرف أبياتهم ، وكان بابك يخرج عسكره فيقف بإزاء هذه الكراديس لئلا يتقدم منهم أحد إلى باب البذ وكان يفرق عساكره كمينا ولم يبق إلا في يسير ، وكان الأفشين يجلس على تل مشرف ينظر إلى قصر بابك والناس كراديس ، فمن كان معه من هذا الجانب من الوادي نزل عن دابته ، ومن كان من ذلك الجانب مع أبي سعيد وجعفر وأحمد بن الخليل لم ينزل لقربه من العدو ، وكان بابك وأصحابه يشربون الخمر ويضربون بالسرنائى ، فإذا صلى الأفشين الظهر رجع إلى خندقه بروذ الروذ ، فكان يرجع أولا أقربهم إلى العدو ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه فكان آخر من يرجع بخاراخذاه ؛ لأنه كان أبعدهم عن العدو ، فإذا رجعوا صاح بهم الخرمية . فلما كان في بعض الأيام ضجرت الخرمية من المطاولة ، وانصرف الأفشين كعادته وعادت الكراديس التي بجانب ذلك الوادي ، ولم يبق إلّا جعفر الخياط ، ففتح الخرمية باب البذ وخرج منهم جماعة على أصحاب جعفر ، وارتفعت الصيحة فتقدم جعفر بنفسه فرد أولئك الخرمية إلى باب البذ ووقعت الصيحة في العسكر فرجع الأفشين فرأى جعفرا وأصحابه يقاتلون ، وخرج من الفريقين جماعة وجلس الأفشين في مكانه ، وهو يتلظى على جعفر ويقول : أفسد على تعبيتى . وارتفعت الصيحة ، فكان مع أبي دلف قوم من المتطوعة ، فعبروا إلى جعفر بغير أمر الأفشين ، وتعلقوا بالبذ وأثروا فيه أثرا ، وكادوا يصعدونه فيدخلون البذ ، ووجه جعفر إلى الأفشين أن أمدني بخمسمائة راجل من الناشبة ؛ فإني أرجو أن أدخل البذ إن شاء الله تعالى ، فبعث إليه الأفشين : إنك أفسدت على أمرى ، فتخلص قليلا قليلا وخلص أصحابك وانصرف . وارتفعت الصيحة من المتطوعة حتى تعلقوا بالبذ ، وظن الكمناء الذين لبابك أن الحرب قد اشتبكت ، فوثب بعضهم من تحت بخاراخذاه ، ووثب بعضهم من ناحية أخرى ، فتحركت الكمناء من الخرمية والناس على رؤوسهم فلم يزل منهم أحد . فقال الأفشين : الحمد لله الذي بين مواضع هؤلاء . ورجع جعفر وأصحابه والمتطوعة فجاء جعفر إلى الأفشين فأنكر عليه ؛ حيث لم يمده ، وجرى بينهما نفرة شديدة ، وجاء رجل من المتطوعة ومعه صخرة فقال للأفشين : أتردنا وهذا الحجر أخذته من السور ؟ ! فقال : إذا انصرفت عرفت من على طريقك - يعنى : الكمين الذي عند بخاراخذاه وقال لجعفر : لو ثار هذا الكمين الذي تحتك ، كيف كنت ترى هؤلاء المتطوعة ؟ ثم رجع هو وأصحابه على عادتهم ، فلما رأى هؤلاء الكمين الذي عند بخاراخذاه علموا ما كان وراءهم فإن بخاراخذاه لو تحرك نحو القتال لملكوا ذلك الموضع وهلك المسلمون عن آخرهم فأقام الأفشين بخندقه أياما فشكا المتطوعة إليه ضيق العلوفة والزاد والنفقة فقال : من صبر فليصبر ، ومن لم يصبر فالطريق -